أبو علي سينا

347

القانون في الطب ( طبع بيروت )

الفن الثامن عشر في أحوال الكلية يشتمل على مقالتين المقالة الأولى في كلّيات أحكام الكلية وتفصيلها فصل في تشريح الكلية خلقت الكلية آلة تنقي الدم من المائية الفضلية ، لمحتاج كان إليها حاجة أوضحناها ، وتلك الحاجة تبطل عند نضج الدم ، واستعداده للنفوذ في البدن ، وقد علمت هذا ، ولما كانت هذه المائية كثيرة جداً ، كان الواجب أن يخلق العضو المنقّي إياها الجاذب لها إلى نفسه ، وإما عضواً كبيراً واحداً ، وإما عضوين زوجين . لو كان كبيراً واحداً لضيق ، وزاحم فخلق بدل الواحد اثنان ، وفي تثنيته المنفعة المعروفة في خلقة الأعضاء زوجين ، وقسمين ، وأقساماً أكثر من واحد ، لتكون الآفة إذا عرضت لواحد منهما قام الثاني مقامه ببعض الفعل ، أو بجمهوره واحتيط بالتلزيز في تكثير جوهرهما . وتلزيزه لمنافع إحداها ، ليتلافى بالتكثير تصغير الحجم ، والثانية ليكون ممتنعاً عن جذب غير الرقيق ، ونشفه ، والثالثة ليكون قوي الجوهر غير سريع الانفعال عما يتملى عنه كل وقت من المائية الحادة التي يصحبها أخلاط حادة في أكثر الأوقات . فلما خلقتا كذلك ، سهل نفوذ الوتين في مجاورتهما بينهما ، وانفرج مكانهما لما وضع هناك من الأحشاء ، وجعلت الكلية اليمنى فوق اليسرى ، ليكون أقرب من الكبد وأجذب عنها ما أمكن ، فهي بحيث تمسها ، بل تماس الزائد التي تليها ، وجعلت اليسرى نازلة ، لأنها زوحمت في الجانب الأيسر بالطحال ، وليكون المتحلب من المائية لا يتحيّر بين قسمة معتدله ، بل ينجذب إلى الأقرب أولًا ، وإلى الأبعد ثانياً ، وهما يتراءيان بمقعرهما ، ومحدبهما يلي عظم الصلب ، وجعل في باطن كل كلية تجويف تنجذب إليه المائية من الطالع الذي يأتيه ، وهو قصير ، ثم يتحلّب عنها من باطنها إلى المثانة في الحالب الذي ينفصل عنها قليلًا قليلًا ، بعد أن يستنظف الكلية ما يصحب تلك المائية من فضل الدم استنظافاً أبلغ ما يمكنه ، فيغتذي بما يستنظف منه ، ويدفع الفضل ، فإن المائية لا تأتي الكلية ، وهي في غاية التصفي والتمييز ، بل يأتيها وفيها دموية باقية ، كأنها غسالة لحم غسل غسلًا بليغاً ، وكذلك إذا ضعفت الكلية لم تستنظف ، فخرجت المائية مستصحبة للدموية . وكذلك إذا كانت الكبد ضعيفة ، فلم تميز المائية عن الدموية تمييزاً بالقدر الذي ينبغي